باتت هذه الفكرة، المؤسِّسة لمعنى السياسة، من أمّهات حقائق الفكر والسياسة في الأزمنة الحديثة؛ منذ سلّط ميكياڤيلّي الضوء عليها، في القرن السادس عشر، وجَعَل منها المسألة الأساس في فلسفة السياسة؛ ومنذ شُرِعَ في إقامة الدول الحديثة في أوروبا بدءًا من منتصف القرن السابع عشر، أي بعد انتهاء الحروب الدينيّة – وفصلها الأخير الأشدّ دمويّة: حرب الثلاثين عامًا – واستتباب السِّلم بموجب "معاهدة ويستفاليا".

لم تكن فكرة المصلحة غائبة عن ميدان السياسة قبل هذه الحقبة؛ غير أنّ حضورها في الماضي خَالَط مبادئ أخرى زاحمتْها على تسويغ السياسة وتأسيسها وإدارة شؤونها، من قبيل مبدإ نشر الدين أو المذهب وتجنيد السياسة والحرب من أجل ذلك. كما أنّ معنى المصلحة، في الأزمنة الحديثة، اختلف عن معناها السابق؛ فهي ما عادت تعني مصلحةَ سلالةٍ حاكمة أو ملكٍ أو أميرٍ أو مصلحة أتباعِ مذهبٍ مّا، بل مصلحةُ مجموعٍ اجتماعيّ باتَ يُعَبَّر عنه باسم الأمّة أو الشعب أو الدولة.

وُضِعَت لمبدإ المصلحة ضوابطُ تُشَرْعِنُه، وتمنع – في الوقتِ عينِه – من الصّدام بين المصالح منذ وقتٍ مبكّر من الزمن الحديث. كان ذلك، ابتداءً، في "معاهدة ويستفاليا" التي نصّت على سيادة كلّ دولة على أراضيها وحدودها وسكّانها وثرواتها. ومعنى ذلك أنّها اعترفت لكلٍّ منها بمصلحةٍ خاصّة لا تُنَازَع فيها، هي حماية السيادة والحقوق التي تقع في حوزتها، ورفعت الشرعيّة عن أيّ فعلٍ سياسيّ يتغيّا النّيل من تلك السياسة والحقوق باسم مصلحةٍ مّا. لقد سلكت في مقاربة مبدإ السيادة والمصلحة المسْلكَ عينَه الذي سلكتْه الدولة الحديثة وقوانينُها في مقاربة مبدإ الحرّية؛ لكلّ فرد الحقُّ في التمتُّع بحرّيّته، والدولةُ وقوانينُها تَكْفَل له ذلك الحقّ وتُحيطه بضمانات تحميه من غائلة العداء عليه.

ولكن ليس من صميم حرّية أيّ فرد اتّخاذ حرّيته ذريعةً للعدوان على حرّيات الآخرين، أو المسّ بها أو الانتقاص منها لأنّ في ذلك انتهاكًا للحرّيات والقوانين والإرادة العامّة، وانتهاكًا – بالتالي – للسّلم المدنيّة.

مع ذلك، لم تتوقف تجارب السياسة والدول، في العالم الحديث والمعاصر، عن الإفصاح عن أشكال متنوّعة من النقض الحادّ لهذه القاعدة السياسيّة، ومن العودة بالسياسة إلى ما قبل تلك القاعدة والضوابط الضامنة لحُسن العمل بها. الحروب، مثلاً، واحدةٌ من أشكال النقض ذاك. وهي خيضت في مناسبات من التاريخ الحديث متعدّدة وغالبًا، باسم المصالح: حروب التوحيد القوميّ في أوروبا  القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، الحروب لغزو المستعمرات، الحروب على المستعمَرات بين الدول الاستعماريّة؛ حروب التوسّع المدفوعة بالنوازع الإمبراطوريّة؛ الحروب العرقيّة...إلخ. في كلّ هذه الحروب، التي لم تتوقّف، والتي توّجتْها الحربان العالميتان الأولى والثانيّة، عَدَت مصلحةٌ قوميّةٌ  على مصلحة قوميّة وانتهكتْها أشدّ الانتهاك وبالتالي أطاحت بشرعيّة وجودها كمصلحة، فيما هي كرّست مبدأ المصلحة المطلقة من الجانب الوحيد؛ المصلحة التي مبناها على حقّ القوّة لا على قوّة الحقّ.

هكذا فُرِضت معادلةٌ جديدة في السياسة والعلاقات الدوليّة مَبْناها على أنّ المصلحة تعبّر عن حقٍّ مجرّد غير قابل للتحقّق إلاّ من طريق قوّةٍ تجعله متحقّقًا أو ممكن التحقيق. إنّه انتقال دراماتيكيّ من فكرة المصلحة المشروعة والحقّ الشرعيّ إلى فكرة القوّة والحقّ المتحصّل بإعمال مبدإ القوّة لا بأيّ مبدإ آخر غيره. وإذا كانت إرادة القوّة هي التي أحرزتِ الانتصار في السياسة والعلاقات الدوليّة فغيّرت، بذلك، مجرى التاريخ المعاصر، فإن فكرة هذه الإرادة كانت محدوسةً في الفكر والفلسفة، على نحوٍ حادّ، منذ القرن التاسع عشر؛ منذ فلسفة نيتشه، بل منذ كارل ماركس.

ليس في وسع مبدإ المصلحة أن يستعيد معناهُ في السياسة، بما هو تعبير عن المصلحة المشروعة، إلاّ متى أصبحت هذه المصلحة شرعيّة، أي معتَرَفًا بها لكلّ طرف، ومشمولة بضمانات الحماية. يدّعي "القانون الدوليّ" أنّه يفعل ذلك؛ ولكنّ الحقيقة أنّه، هو نفسُه، خاضِع لمبدإ القوّة؛ أليس الأقوى هو من يتأوّل أحكامه ويسخّرها لمصلحته الخاصّة؟ لن يستقر مبدأ المصلحة إلاّ متى اعتُرِف بالمصالح جملةً، وبأنّ هذه المصالح متوازنة ومتبادَلة ومتكافئة، وأنّ كعْبَ إحداها أو بعضِها لا يعلو على كعب غيرها.

هذا وحده يضع المداميك للنظام في العالم، ويفرض حاكميّة القانون الدوليّ على قوانين الدول. والمفارقة أنّ الدولة الوطنيّة الحديثة أصابت قدْرًا مّا من النجاح في تنظيم التناقض والصراع بين مصالح قواها الاجتماعيّة الداخليّة، ومنْعها من التعبير عن نفسها في شكْلٍ انفجاريّ، فكانتِ الديمقراطيّة ذلك التنظيم الذي حمى المجتمع من النزاعات العنيفة، وفَرَض عليها التعبير عن نفسها في شكلِ منافسةٍ سلميّة يعترف فيها الجميع بمصالح بعضهم. غير أنّ هذه الدولة/الدول ما نجحت، حتى الآن، في تعميم هذا التنظيم ليصبح حاكمًا لعلاقاتها الدوليّة. وحين تفعل – وقد يقتضي ذلك زمنًا طويلاً – ستنظّف العالم من منازعات المصالح وصدامها، وتعيد إلى المصلحة معناها الحقيق.