في حمّى هوسنا بالتواصل شيّدنا هيكل العولمة التي فوّضناها بمحو حدودٍ كانت في واقع الجنس البشري قدس أقداسٍ لم نكتشف حقيقتها الغيبيّة إلاّ اليوم عندما داهمنا قصاص الطبيعة جزاء استهتارنا بناموسها. فالحدود احتلّت مكانة غيبيّة في واقع الإنسان منذ الأزل، فلم يلتزم بها التزاماً حرفيّاً صارماً الإنسان وحده، ولكن سلطانها روّض حتى في الحيوان غريزة الالتزام بهذا الحرم. ففي الخمسة عقود الأخيرة، من حياة بلدٍ كليبيا، تعرّضت الحيوانات البريّة لحملات إبادة منظّمة لم تتوقّف حتى قطعت دابر هذه الكائنات الشقيّة النادرة كالغزلان والودّان والجاموس البرّي من أرضها. وبرغم جحيم فوهات البنادق، وبرغم الحدود الطبيعية المفتوحة، في صحراء كبرى، على بلدان الجوار كتونس والجزائر والنيجر والسودان وتشاد، بيد أن هذه الأنعام النبيلة ضلّت تتشبّث بالحدود الجغرافية للوطن، مفضّلةً الهلاك الجماعي، على اقتراف خطيئة في حقّ الواقع الطبيعي، المفتوح بمشيئة الصحراء، الذي ما فتئ يغوي باجتياز الحدود إلى جوانبها الأخرى، كأنها تستجيب لنداء الحكمة الثاوية التي تقول: "يجب عمل كل ما بالوسع للحيلولة دون أن يهجر الناس موطنهم"، كأنّ الأنعام تتفوّق علينا، نحن الأنام، في اعتناق أحكام الغيوب، فتلبّي النداء بالإنابة عنّا، حتى إذا حلّ بنا القصاص على خطايانا في حقّ قوانين الطبيعة، الناطقة باسم الحقيقة، لم تملك إلاّ أن ترثي لنا مصابنا، نحن الذين لم نعتنق الدرس، المترجم في مسلكها، الذي لقّنته لنا، فآثرنا أن نواصل اغترابنا عن أمّنا الطبيعة، بدل أن نستجير بتلابيبها.

ولكن ألا نحسب هذا مساساً بقدس أقداسٍ آخر هو حرية إنسان، هو سليل طبيعة بحقّ، في التنقّل في أرض الله الواسعة التي لم تُخلق إلاّ لتكون له أرجوحة أبد؟

الترحال طبيعة تسري في الدمّ حقاً، ولكنها تخضع لعُرفٍ آخر، محكوم بناموس ما نسمّيه هجرة. والهجرة ليست خياراً حرّاً، ولكنها تخضع بدورها لقانون الجبريّة، سواء أكان إجباراً بحرف الجدب، أو بمشيئة وباء، أو بسبب حرب؛ لأن الإنسلاخ عن مسقط الرأس، هو قطعٌ لحبل السرّة، وهو ما لا تبيحه الطبيعة بدون حُجّة طبيعية كالأسباب الجبرية الآنفة. وحتى في حال إباحة قطع هذا الحبل (الذي لن يكون في حقيقته سوى تجديفٍ في حقّ الجذور، وتطاولٍ منكرٍ على الهويّة)، فإن الخروج لا يجيز انتهاك حرمة الحدود إلاّ بإذن. الإذن من عرّاب الغيوب، سواء أكان كاهناً في قبيلة، أو عرّافاً في معبد، لأن النبوءة هنا ليست كلمة دنيوية، ليست موافقة من حارس حدود جغرافية، ولكنها كلمة الغيوب، تفويض القدر الناطق باسم الأرباب، وهو ما يهبها شرعية قدسية.

وبرغم ذلك فإن العبور لا يتمّ بدون قرابين. ليست القرابين التي تسفح عند الخروج فقط، ولكن قرابين العبور. قرابين انتهاك الحدود، التي تشفع للمريد الحلول في أرض الماوراء: ما وراء الحدود، التي لا تختلف في اليقين العام عن انتهاك حرمة الحدود في أبعادها القصوى القرينة لما وراء الطبيعة!

هناك أيضاً، في البرزخ الفاصل بين قطبين، بين مدارين، يقوم عسس يفرضون الرسوم. يفرضون مكوساً أخرى هي قرابين مستحقّة بحكم الحلول، لتكتسب المغامرة روح الطقس الديني، في عالمٍ لم يكن ليعترف بأي فعل ما لم يُتوّج بتفويضٍ ضمنيّ مستعار من سدنة الماوراء. والدليل يهديه لنا مسلك اليونانيين عندما دفعهم حكّامهم لاستيطان شطآن بحر ليبيا في الضفّة المقابلة، فاستجاروا بسواحلها جبراً لا طوعاً. ولكنهم لم يلبثوا أن تراجعوا، وعادوا إلى اليونان، ليدخلوا هناك في نزاع مع أبناء جلدتهم، وكي لا يتحوّل النزاع إلى حرب دامية بين أبناء الوطن الواحد، اتّفقوا على تحكيم إله معبد دلفى. أرسلوا بوفد ليعود الوفد بالوصيّة الإلهية التي أتحفتهم بها العرّافة، استعارةً من وصيّة ليبيّة قديمة تقول بالحرف:

"سوف يعضّ بنان الندم

كل مَن لم يهرع إلى ليبيا

لينال نصيبه من أرضها السخيّة

في موسم تقسيم الأراضي".

كانت تلك الوصية بمثابة الإذن. بمثابة التفويض المشفوع بسلطان القدر، فلم يجد القوم مفرّاً من الامتثال، الذي أسفر في القرن السابع قبل الميلاد أعظم منارات العالم القديم "قورينا" (أو سيرينايكا) المجيدة التي حجّ إليها كل فلاسفة قدماء اليونان.

ولكن مبدأ الهجرة ظلّ منذ الأزل مجبولاً بهويّة مزدوجة: فهو، بما أنه مغامرة، كان ضرباً من خطيئة تستوجب تكفيراً، كما في حال أوليس؛ وهو أيضاً ضربٌ من قداسة، كما في حال أوديب، الذي لم يكن ليفلح في فكّ طلسمان الغول الذي كتم أنفاس "طيبة"، ليحرّرها بفضل تلك القداسة التي تغنَّى بها القديس بولس في وصيّته القائلة: "استضيفوا الغرباء، لأن أناساً كثيرين استضافوا في الغرباء ملائكةً وهم لا يعلمون".

وفي حال إنسانٍ يهدهد روح الفطرة، كما حال إنسان الصحراء الكبرى، فإن الخشية من انتهاك هذه القداسة، هو ما دفعه للتشبّث بحدود صحرائه، محاكياً أنعام محيطه البيئيّ، مهما عصف بها من بلايا عبر الأزمنة، مبيحاً لنفسه أن يتنقّل بحرية داخل قضبان هذا السجن الكينونيّ الأقسى في العالم، حريصاً ألاّ يتخطّى ما كان في يقينه قدس أقداس، وهو: المياه!

بلى! لقد سنّ هذا الإنسان الناموس العصيّ الذي يحرّم اجتياز الأنهار أو البحار، واكتفي بالمقام في الحدود الصارمة، الواقعة بين بحر ليبيا في الشمال، والأوقيانوس في الغرب، ونهر النيل في الشرق، ونهر "كَوْكَو"، المعروف اليوم باسم النيجر في الجنوب، ليطوف حول نفسه في هذا الفلك الأرضيّ الذي لا يقارن إلاّ بطواف الأفلاك السماوية حول نفسها، فتشاء حكمة العَوْد الأبدي أن تنجيه من كل البلايا، التي أبادت جلّ أمم العالم القديم، ويبقَى محتفظاً بهويّته، برغم الحصار المضروب عليه بحرف أقسى طبيعة، ولكن في تلك القسوة كُتبت له النجاة. كتبت له الحياة، برغم حضوره في قلب العدم. لقد كوفيء إنسان الطبيعة في ماهيّتها القصوى، بوصفها صحراء كبرى، على وفائه لقدسية الحدّ. كوفيء على تضحيته في سبيل الحد: في سبيل حدّ استعار، بالماء، هوية السدّ. ليس السدّ الملفّق من طوب، أو من جلاميد الصلد، ولكن السدّ المشفوع بحرف الأعجوبة التي أحْيَتْ بأنفاسها كل شيء وهو: الماء!

هنا يستعير الحدّ بُعداً قدسياً يُضاف إلى ماهيّته الطبيعية كسدٍّ عازل، كبرزخٍ فاصلٍ بين عالمين مستقلّين، وهو الهوية الماورائية الكامنة في حرف الهبة المائية التي لم يكن الإنسان ليتباهى بوجوده ككيان لولا عنصر الماء. ولهذا السبب هو بلسمٌ شافٍ في كل الثقافات لأنه، إذا كان يروي من ظمأ كنهر، فإنه ترياق للروح، بما هو قيمة حرية، كبحر. وانتهاك حدّه، سواء كبحر أو كنهر، هو تجديفٌ في حقّ المعبود الذي نصّبه تجسيداً لأمر، تجسيداً يحذّر من وجود خطر، تجسيداً لنهيٍ الإستهانة به اقترافٌ لإثم.

الأربعاء 22 أبريل 2020 م

حقّاً أن السجين، بضميرٍ نقيّ طليق، بقدر ما الطليق، بضميرٍ مشبوه، سجين. فالدنيا مسرحية تعتنق دين العبث، الذي لا يتردّد في أن ينصّب الأغلبية لتلعب دور الممثّلين، في حين يحكم على الأقليّة كي تلعب دور المشاهدين، تماماً كما نحيا اليوم بموجب الفرمان المستصدر في حقّنا من قبل طاغية إسمه الوباء. ولكن عزاءنا في قناعتنا ببرائتنا، بيننا وبين أنفسنا على الأقل، لأن لا وجود لبلاء يمكن أن يقارن بحشر إنسانٍ بريء وراء قضبان الحبوس بأجناسها، لأن الإنسانية بأسرها آنذاك يجب أن تخضع للمساءلة، بل وتحشر في قفص الإتّهام، في حال تسامحت مع خطيئة إدانة إنسان بريء، ولم تفعل ما بالوسع كي تحرّره من جورٍ مقترف بحرف القوانين الوضعيّة، التي لا تستحي أن تتشدّق بممارسة صلاحيّاتها بوحيٍ من القوانين الإلهية.

ولكن الوضع سوف يختلف في حال تحصّن الجور بقناع الجائحة، سيّما في بُعدها الكوسموبوليتي من جانب، والتاريخي من جانب آخر، كما هو حال وباء اليوم. وهنا نرتضي لعب دور الأغلبية في الملهاة البشرية التي تشاهد فصول المسرحية من وراء قضبان، في حين تلعب أشباح الأقلية دور البطولة على الخشبة: أي أننا اليوم نحن، جمهور مهرّجين، مطرودين من فردوسنا، من خشبتنا الأبدية، لنمارس دور المتفرّج المنفيّ عن باطله الحميم. أي أننا مشاهدون. بل شهود عيان غصباً عنّا، دون أن نعرف سرّ الزلّة التي اقترفناها في حقّ اللعبة حتى وجدنا أنفسنا في موقف الطريد، تماماً كما وجد السيد "كاف" في "محاكمة" كافكا، نفسه مداناً بحكم إعدام على جرم مجهول، صادر عن قاضٍ غيبيّ مجهول!

فنحن أيضاً محكومون. محكومون بإعدامٍ، كل ما هنالك أنه مع وقف التنفيذ، أو بالأصحّ، حكمٌ مؤجّل.

فهل يشفع لنا إحساسنا بالبراءة وزر المصاب؟

فالويل ينتظر كل من لم يستسلم لقدره، ويحتكم لاستثمار موقف شاهد العيان، لأنه الفرصة الوحيدة لاستجلاء ما غاب عنّا، والضمان الوحيد للفوز بالغنيمة الوحيدة الجديرة بالقربان: الحقيقة!

فالوباء اليوم هو بطل الأبطال على خشبة مهزلتنا البشرية الذي آلى على نفسه أن يلقّننا درس الحقيقة.

الخميس 23 أبريل 2020 م

البارحة حلّ في أرباعي أضياف إنتظرتهم طويلاً. أضياف ليسوا ككل الأضياف، لا لأنهم موسميّون، يحلّون في دياري ربيع كل عام، ولكن لأنهم من طينة ليست من هذا العالم، وإلاّ لما صاروا، بوصيّة بليز باسكال، البرهان على وجود الله. إنها تلك المهلة التي تقبل من أوطان المجهول، منتحلةً هوية الرسول المفوّض من قبل الغيوب، ليُدلي بوصيّة ربّات الفنون، فيزفّ لي في معزوفته الإلهية بشرى حلول الخلاص: الخلاص من فصلٍ كان في حياتي، كسليل صحراء، دوماً كابوساً، وحلول انعطافة في مسيرة الفصول، تعلن بعث الأنفاس في طبيعة الشمال، احتفاءً بميلاد الفتنة في أغصان البتولا، المنتصبة عند السياج بكبرياء عرّاب الأجيال.

ـ صَوْـ صَوْ ـ صَوْ.. سي ـ سي ـ سي.. شر ـ شر ـ شر ..

نداءٌ يستدعي نداءً، كلمة سرّ في وتر، تدلي بشهادة في سياق المعزوفة، لتعلو نبرة اللحن، وتعلو، قبل أن يتدخّل سلطان نبرةٍ أخرى، من فصيلة أخرى، لتستقيم السيمفونية في سلّم يلعب فيه الـ"أداجيو" دور البطولة حيناً، ولكنه لا يلبث أن يتسامح تارةً أخرى، ليسلّم زمام الأمر للفرح، لـ"الليغرو"، تلبيةً لنداء بشارة، ولكن قدراً يتدخّل، لينتكس النغم، لأن خللاً قد حلّ، فيعود النَّفَس الوجداني إلى النَّوْح: تنزف في المعزوفة الروح، كأنّ الواقع يجود بأنفاس نزعٍ أخير!

هذه هي أنشودة الطير التي اعتادت هذه الملّة اللا أرضيّة أن تمنّ بها على شخصي مطلع ربيع كل عام، فتمكث في الأحراش بجواري مهلةً قد تدوم لشهر، وربما لأكثر من شهر، فلا تهجرني، لتواصل طريقها نحو الشمال، إلاّ بعد أن تستودعني شموس الخلاص مع هيمنة الدفء، فأحزن لرحيلهم، لأنّي أعلم أن الفردوس الذي تتغنّى به في معزوفتها سوف يختفي من دنياي، ولا أدري عمّا إذا كان سيُدركُني في المرّة القادمة، إحساسي التراجيدي بالفناء يُميت في قلبي الأمل في أن تمهلني الأقدار حتى أحظى بالحضور في رحابه بعد عام!

الخميس 23 أبريل 2020 م

ليس عسيراً هذه المرّة، أن أقرأ في معزوفة رُسُل السماء رسالة ترجمت ضَرباً جديداً من احتفاء، ربّما بسبب غياب الآفة من واقع الأحراش، من واقع الطبيعة: الآفة التي كانت قبل هجمة الوباء ورماً خبيثاً ظلّ يفترس مملكة هذه الكائنات الغيبيّة، ويُهدّد وجودها بالزوال، وها هو بيت الطير، ها هي الطبيعة الجريحة، تتعافى من علّتها، بغياب بطلٍ إنتحل لنفسه هوية الربّ، فهيمن سِلْمٌ إغترب من الواقع البيئيّ، طويلاً، لتتيقّن كائنات الحَرَم أن فضيلة الوباء إنّما تكمن في تخليص الواقع الأرضي من الشبح الذي لعب في الأرض دور الوباء!